ريادة الشيخ شمس الدين في تطوير المنهج والاسلوب بحوزة النجف العلمية
عبدالهادي الفضلي
تعتبرمدينة النجف الأشرف في العراق من أهم المراكز العلمية الإسلامية فيالعالم، فمنذ أن أرسى قواعد الدرس الديني فيها شيخ الطائفة محمد بن الحسنالطوسي المتوفى سنة 460هـ، لا تزال ـ حتى الآن ـ مركزاً مهماً من مركزالإشعاع الفكري الديني في العالم. وقد تخصصت الدراسة العلمية في هذا المركز الديني بفكر أهل البيت (ع) فيالعقيدة والفقه وسائر العلوم الإسلامية الأخرى كالتفسير والحديث وعلمالكلام، والمعارف التي تلتقي معها كالفلسفة وعلم المنطق. وساهمت متعاضدةمع لداتها الأخرى من المراكز الإسلامية المنتشرة في أنحاء العالم الإسلاميفي الإضافات الفكرية الجيدة، والتطوير لما هو أفضل وأنفع. وفي أحضان هذهالأم العلمية ولد الأدب النجفي العربي وترعرع ونما شعراًونثراً.
وإذا عدنا نلتمس الأسلوب لهذا الأدب، والمنهج لذلك العلم، فلا نعدو أن نرى ـوبوضوح ـ الأسلوب والمنهج التاليين:
1ـ الأسلوب: وأريد به أسلوب التعبير في الكتابات الأدبية والأخرى العلمية. أـ ففي الكتابات العلمية: لأنها لم تخرج كثيراًعن الدوران حول المقررتالدراسية موادَ وكتباً: تعريفاًوتعليقاً وتحشية وشرحاً، جاء أسلوبها فيالتعبير متأثراً بمنهجها في الفكر حيث ضغطُ العبارة بما قد يؤدي ـ فيالأحيان الأكثر ـ إلى الغموض في أداء المعنى المقصود منها، وربما إلىالتعقيد الذي يحتاج إلى تفكيك العبارة وتحليل معانيها. ويعود هذا ـ كماسنتبينه ـ إلى اعتماد المناهج العقلية في التعليم والكتابة (المنهجالفلسفي والمنهج الكلامي والمنهج المنطقي). ب ـ أما النتاج الأدبي فقد كان الأدباء النجفيون يعنون كثيراً بتقديساللفظة تقديساً يدعو كثيراً إلى الاهتمام الكبير بالمحسنات البديعية التيتدعو هي الأخرى بدورها إلى توليد العبارة من العبارة لا للتأكيد وإنماللتحسين والتجميل. وفي هذه الأجواء وبين موسيقى الألفاظ المتأتية من السجعوالتوليد تضيع الفكرة، وقد تستعصي عن أن يصطادها القارئ. ولا أراني بحاجةإلى سَوق الأمثلة لذلك، لأن هذا النمط من الأسلوب ظاهرة أدبية بيّنة.
2ـالمنهج: وأعني به الطريقة في البحث العلمي التي كانت تنتهج في التدريسوالتأليف. ولأن الإمامية من فرق المسلمين العقائدية التي عرفت باتباعالعقل في مجال العقيدة في مقابلة الفرق الإسلامية السلفية التي عرفتباتباع النقل. ولأن علم الكلام أقدم العلوم الإسلامية وجوداً في عالمالفكر الإسلامي فلم يسبقه إلا الفقه والرواية والتفسير في بداياتها. ومنالمعلوم المفروغ منه أن علم الكلام عقلاني المنهج، أي أنه يعتمد المبادئالعقلية، أو قل: الكليات العقلية في مجال البحث، ومن أقدم من بحث في الفكرالكلامي هم الإمامية والمعتزلة، إن هذا العلم كان قد أثّر على الجو العلميآنذاك، وأثرى بمعطياته الساحة الفكرية، وتمثل هذا وبوضوح في علم أصولالفقه الذي اعتمد المنطلقات العقلية في طرح أفكاره وتأسيس قواعده. لهذاوأمثاله كان المنهج المتبع في الدراسات الدينية في النجف الأشرف هو المنهجالكلامي. ومن المعلوم أيضاً أن المنهج الكلامي بعد شيوع الفلسفة وانتشار علم المنطقفي الأوساط العلمية الإسلامية في العصر العباسي تأثر بهما، وبعلم المنطقبشكل خاص، حيث اتخذ العلماء المسلمون من علم المنطق المنهج العام فيالبحوث العلمية الدينية. وللتفاعل بين علم الكلام وعلم المنطق والفلسفة الإلهية في الفكر الإسلاميفي مراكز الدراسات الدينية كان المنهج الذي استقر واعتمد في الدرس الدينيهو المنهج العقلي، والذي يطلق عليه عنوان المنهج الفلسفي أحياناً،وأحياناً المنهج المنطقي، وثالثة المنهج الكلامي، وهو في واقعه منهجتكاملي تولد من هذه المعارف الثلاث. وقد بقي الحال على هذا حتى منتصف القرن الهجري الماضي حيث انتشرت الجامعاتفي البلدان العربية والإسلامية وكانت تتبع في البحث المناهج العلميةالحديثة وفي التعبير الأسلوب العلمي، وحيث انبثقت النهضة الأدبية العربيةالحديثة التي تخلت عن الإلتزام باستعمال المحسنات البديعة في الأسلوبالأدبي. ولعوامل أخرى رأى غير واحد من أبناء الحوزة العلمية في النجف الأشرف أنيكون للحوزة العلمية نصيب من هذا الجديد في الأسلوب أدبياً وعلمياً، وفيالمنهج علمياً، فكان لشعراء جمعية الرابطة الأدبية في النجف دور رائد فيتجديد أسلوب الشعر النجفي وكذلك كان لعلماء وشعراء جمعية منتدى النشر فيالنجف دور رائد آخر في إدخال الأسلوب العلمي في الكتابات العلمية،والأسلوب الأدبي الحديث في الكتابات النثرية والأخرى الشعرية. وكان المغفور له الشيخ محمد مهدي شمس الدين واحداً من أولئكم الرواد مندعاة التجديد، فقد كانت له إسهامات فاعلة في الدعوة لتجديد الأسلوبالأدبي، منها مشاركته في الموسم الأدبي الذي أقامته جمعية منتدى النشر حولالأدب النجفي المعاصر آنذاك، وكان باشرف ورعاية الأستاذ السيد محمد تقيالحكيم السكرتير العام للمنتدى في حينه، فقد نعى الشيخ شمس الدين علىأدباء النجف تقديسهم اللفظة إلى الحدود التي تصل ـ غالباً ـ إلى مستوىالإفراط المؤثر تأثيراً سلبياً، ودعا إلى إدخال الأسلوب الأدبي الحديث فيالكتابات النجفية في الشعر والنثر. وقد نُشرت المواد التي ألقيت في هذا الموسم على صفحات مجلة (النجف) لصاحبها السيد هادي فياض مدير إدارة المنتدى. وقد لاقت كلمة الشيخ شمسالدين ـ المشار إليها ـ صدى استحسان وتقدير أكثر من سواها، لأنها كانتتنطلق من نظرة نقدية لواقع الأدب النجفي. وسار الشيخ ـ رحمه الله ـ فيمجال التطبيق يلتزم الأسلوب الأدبي الحديث.
وقد استفاد هذا بتأثير العوامل التالية:
1ـ قراءاته المكثفة للنتاج الأدبي الحديث لأدباء مصر ولبنان وسورية والعراق، مبدعين وناقدين.
2ـ توجيهات الأستاذ السيد محمد تقي الحكيم، فقد كانت علاقته به وثيقة،وملازمته له مستمرة، إلى ما قبيل مغادرته النجف عائداًإلى لبنان. والسيد الحكيم من أبرز رواد التجديد في الوسط الثقافي النجفي في المنهج والأسلوب.
3ـ الجو الأدبي الحديث الذي كونته مساهمات أدباء الرابطة الأدبية ومشاركات أدباء منتدى النشر. وكما كان للشيخ شمس الدين مساهمة فاعلة في تجديد الأسلوب الأدبي النجفيكانت له أيضاً مساهمة فاعلة في تجديد الأسلوب والمنهج في الكتابات العلميةالحديثة، وتمثل هذا بوضوح في مؤلفاته أمثال: نظام الحكم والإدارة فيالإسلام، ودراسات في نهج البلاغة، وثورة الحسين، وأخيراً في عطائه الفقهيمن خلال تدريسه على مستوى (البحث الخارج) وتأليفاته في هذا المجال. وقد كان للجو الثقافي الذي أحدثته كلية منتدى الشر ثم كلية الفقه، والجوالفكري الإسلامي الذي أوجده أستاذنا الشهيد السيد محمد باقر الصدر أثربيّن في الرواد الأوائل الذين عملوا على التحول من المنهج الكلامي فيالبحث الحوزي إلى المنهج العلمي الحديث، ومن الأسلوب القديم في التعبيرإلى الأسلوب الحديث. وكما أشرت كان لتوجيهات السيد التقي الحكيم أثر فيمنهج وأسلوب ـ الشيخ شمس الدين. وأخيراً: إن هذه الريادة من المغفور له الشيخ شمس الدين معلم تاريخي مهمفي سيرته الثقافية المعطاء، وانطلاقة حية تشكل حلقة يعتز بها في تاريختطوير الدراسة الدينية في النجف الأشرف.