|
|
||
الامام الحسن العسكري عليه السلام
الحمد لله الواحد الاحد و الصلاة و السلام على سيد خلقه محمد،و على سفينة النجاة اهل بيته،و على القادة الهداة من اصحابه،وعلى جميع من آزروه و نصروه ،و اتبعوا المنهج القويم و لم يحيدوا عن الصراط المستقيم . اهتمام رسول الله (ص) بأهل بيته ،تربية و تأهيلا و تفضيلا ، لم يكن إهتماما عاطفيا بقدر ما كان تنفيذا لامر الهي قاطع ، صدر اليه من رب العالمين ، و قد بلغ الرسالة و اخرج البشرية من ظلمات الالحاد و الشرك الى نور الايمان و التوحيد ، و امره ان يقول لجميع اجيال البشرية : " لا اسالكم عليه اجراً الا المودة في القربى". فكانت مودتهم : ان لاقوا التقتيل و التعذيب و التشريد ،و تجرعوا المحن و الغصص ،صابرين محتسبين ، هم و شيعتهم الابرار ، بشكل يفتت الاكباد و يذيب الجماد… فمن الناس من ناصبهم العداء لاحقاد جاهلية ، و نزوات شخصية، و شهوات دنيوية ، و انتقاما لابي جهل و ابي لهب ، من ذرية محمد (ص) ، و لا يزال احفاد هؤلاء النواصب يضمرون لاهل البيت العداء في صدورهم ، و يظهرونه في اقلامهم ، و على ايدي جلاوزتهم .. و من الناس من تظاهر بالولاء لاهل البيت (ع) ، فافترى عليهم من البدع و الاساطير ، و نسب اليهم من الخرافات و الغيبيات ما هم بريؤون منه الى الله تعالى …حتى قالوا (ع): " و الله ما الناصب لنا العداء باشد علينا ممن قال فينا مالم نقله في انفسنا". و تتجلى للمرء عظمة اهل البيت (ع) انهم اجمعوا في اشخاصهم ( شرف الاسلام) من جميع اطرافه :شرف النسب ،لانهم شجرة النبوة ، ابناء و احفاداً، و شرف العلم :لانهم ثمرة الرسالة ،عقيدة و احكاما و اخلاقاً ، و شرف الجهاد :صبرا و تضحية و شهادة . و إمامنا "الحسن العسكري"- عليه السلام- فرع هذه الدوحة المباركة ، و رمز هذه العترة الطاهرة ، الصابرة المحتسبة ،خلد بما بث من علوم ، و نشر من فقه و احاديث ، رسالة جده رسول الله (ص). و حياة الامام الحسن العسكري (ع) جسدت الدعوة الى العدل امام سلاطين الجور و الاستبداد ، و الجهر بالحق امام دعاة الظلم و الباطل ، و الصمود البطولي امام ارهاب الانحراف و التضليل. عانى الامام الحسن العسكري مع ابيه الامام علي الهادي عليهما السلام …و قضى القسط الاهم من حياته الشريفة في العاصمة العباسية سامراء آنذاك ، وواكب جميع الظروف و الملابسات و المواقف التي واجهت اباه ..و تسلم مركز الامامة بعد ابيه و عمره اثنين و عشرين عاما . و جاءت مواقفه امتداداً لمواقف ابيه بوصفه المرجع الفكري و الروحي للمسلمين و راعيا لمصالحهم العقائدية و الاجتماعية، بالاضافة الى تخطيطه و تمهيده لغيبة ولده الحجة بن الحسن المهدي عليه السلام . و يمكن تقسيم مواقف الامام العسكري (ع) و خططه تجاه الاحداث الى اربعة مواقف: موقفه من الحكم و الحكام فلقد جاء موقفه من الحكام منسجماً مع مواقف آبائه المعصومين (ع) ،حيث كان موقفا حذراً و محترسا في علاقته بالحكم دون ان يثير اي اهتمام او ان يلقي بنفسه في اضواء الحكم و جهازه،بل كانت علاقته بالحكم روتينية رتيبة تمسكاً بخط آبائه تجاه السلطة العباسية . فموقف الامام هذا اكسبه لدى الحكام احتراماً و منزلة رفيعة ..، و هذا ما نلاحظه من خلال علاقته بوزراء عصره ، و كيف ان الامام (ع) كان يفرض شخصيته و جلالها حتى على اشد الناس حقداً على اهل البيت و انحرافاً عن خط الهداية الذي يسيرون عليه و يدعون اليه ،كالوزير عبيد الله بن يحي بن خاقان الذي انبهر بشخصية الامام الحسن العسكري بعد ان التقى به فقال فيه:"ما رايت و لا عرفت رجلا مثل الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا في هديه و سكونه و عفافه و نبله".الى غير ذلك من صفات المدح التي تبين مدى احترام هذا الوزير و تقديسه للامام عليه السلام . و كما يقول الشاعر : الفضل ما شهدت به الاعداء . و موقفه الثاني تمثل بعطائه العلمي الذي تركز على تغذية اجيال الامة الاسلامية بالافكار العلمية البناءة التي ادت الى تحصين شخصية الامة الرسالية و من ذلك مواقفه عليه السلام في وجه التيارات الفكرية التي تشكل خطراً على رسالة الاسلام حيث انه قاومها من بدايات تكونها حتى القضاء عليها : و من ذلك موقفه من الكتاب الذي وضعه ابو يوسف الكندي فيلسوف العراق في زمانه حول متناقضات القرآن اذ اتصل به عن طريق بعض المنتسبين الى مدرسة الكندي نفسه و احبط المحاولة و اقنع مدرسة الكندي بانها على خطأ ..و جعل نفس الكندي يثوب و يحرق اوراقه التي كتبها حول هذا الموضوع. و نشاطه الثالث كان مجاله الاشراف على القواعد المؤمنة في المجتمع الاسلامي و حماية وجودها و تنمية وعيها و مدها بكل الوسائل لتصمد في وجه الصعاب و ترتقي في مدارج الايمان لتبلغ اعلى درجاته الممكنة ، و لقد وقفت الدولة العباسية موقفاً شديداً و صارماً من اصحاب الامام العسكري (ع) و قواعده المساندة .. و اقدمت على كثير من الاساليب المنحرفة لتمييع اطروحة الامام الحقة وشرذمة اصحابه.. حتى انها عمدت الى شراء الضمائر بالمال الوفي و العيش الرغيد . و كان الامام عليه السلام يقف من هذه المحاولات موقف الناصح و المسدد لاصحابه قائلا لهم: " الفقير معنا خير من الغني مع غيرنا ، و القتل معنا خير من الحياة مع عدونا ، و نحن كهف لمن التجأ الينا و نور لمن استبصر بنا ،و عصمة لمن اعتصم بنا ،من احبنا كان معنا في السنام الاعلى و من انحرف عنا فإلى النار". و موقف الامام العسكري الرابع…و قد يكون الاصعب في نظري هو موقفه الذي ادى الى التمهيد لغيبة ولده الامام الثاني عشر المهدي عجل الله تعالى فرجه حيث كان من الواضح قرانياً وروائياً عن سيد الرسل و خاتمهم (ص) ان الارادة الالهية اقتضت ان يغيب الامام المهدي غيب صغرى لمدة سبعين عاماً ثم الغيبة الكبرى التي تستمر الى ان ياذن الله سبحانه بظهوره و معه المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام،من اجل اقامة دولة الله على الارض و تطبيقها على الانسانية اجمع و الاخذ بيد المستضعفين في الارض ليبدل خوفهم امناً يعبدون الله لا يشركون به شيئاً. و بما ان الوقت لا يتسع لذكر الخطوات العملية العديدة و الشاقة التي اتبعها الامام العسكري (ع) في التمهيد لاقناع الناس بفكرة غيبة امامهم الثاني عشر المهدي و اسبابها و الحكم الربانية منها و اهدافها و نتائجها ..،اقتصر بذكر كتابة منه ارسلها الى احد الاقطاب من تلامذته العلماء المعتقدين اعتقاداً راسخاً بالائمة الاثني عشر المعصومين من ذرية رسول الله (ص) حيث يقول فيها: " عليك بالصبر و انتظار الفرج ..قال النبي (ص): افضل اعمال امتي انتظار الفرج ،ولا يزال شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي الذي بشر به النبي (ص) يملأ الارض قسطاً و عدلاً كما ملئت جوراً و ظلماً ،فاصبر يا شيخي يا ابا الحسن – علي- و امر جميع شيعتي بالصبر فان الارض لله يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين".
المفتي الشيخ عبد الامير شمس الدين You must be logged in to post a comment. |
||
|
Copyright © 2010 - All Rights Reserved |
||