|
|
||
ذكرى رحيل الامام الخميني قدس سره وإنتصار لبنان في أيار 2005
تلتقي ذكرى ولادة الإنسانية ببزوغ نور رسولها الخاتم محمد بن عبد الله في عالمنا الدنيوي هذا مع مناسبتين تاريخيتين أولاهما مناسبة ذكرى رحيل الإمام الخميني قدس سره إلى جوار الله، ذلك الرجل العظيم الذي جسَّد المعاني المقدَّسه الرفيعه التي إعتبرها الإسلام في عالِم الدين، من علم غزير تجاوز المراحل العليا التي أهلته لبلوغ أعلى مراتب الإجتهاد والإستنباط والفتيا إلى معارف وعلوم أخرى تعتبر ضرورية لمقام قيادة الأمه..، ومن تقوىً جعلته مترفعاً عن بهارج الحياة الدنيا وزينتها وزخارفها..، ومن كفاءةٍ عالية في معالجة القضايا الكبرى للأمه منسجمة مع روح الإسلام. هذه المعاني الرفيعه التي تحلَّى بها الإمام الخميني أعلى الله مقامه هي التي جعلت الجماهير الإيرانية المسلمه تتلاحم معه ليقودها نحو التحرر والإنعتاق ويحقق معها إنهزام أكبر حكم طاغوتي في البلاد الإسلاميه مارس بتوجيهٍ من سادته الأمريكان مختلف الأساليب للقضاء على شخصية الأمه وجعل مقدراتها بيد أعدائها. إنَّ الإمام الخميني قدس سره بما قام به يعكس الصورة الحقيقية للعالِم المتحرك إذ بجهاده قامت أوَّل دولة في تاريخنا تحكمها قيادة الفقيه الشرعيه رغم كل محاولات قِوى الإستكبار العالمي الرامية إلى القضاء على ثورته الإسلامية المباركه وإسقاطها ولم تقتصر تأثيرات الإمام الخميني النهضوية على الساحة الإيرانية وإنما تجاوزتها لتشمل الساحة الإسلاميه برمتها غارسة الوعي الديني في عقول أبنائها ومحفزة إيَّاهم على النهوض لإستعادة كرامتهم المهدوره على أيدي أعدائهم. بل إنَّ قيادة الإمام الخميني تجاوزت في تأثيرها حدود العالم الإسلامي بعد أن أصبح رمزاً يقدره الأحرار في كل مكان في هذا العالم وغدت شعاراته التحررية مشاعل هداية لكل الثائرين على الظلم والطغيان في سائر أقطار المعمورة، أعلى الله مقامه وتغمده بواسع رحمته وإننا لنبتهل إلى الله تعالى في أن يطيل عمر خليفته آية الله العظمى الخامنئي ويوفقه للمحافظه على الأمانه وإتمام المسيره وأن يبقي دولة الإسلام في إيران عزيزة وقوية حتى ظهور إمام الأصل القائم المهدي عجَّل الله تعالى فرجه ليملأ الأرض قسطاً وعدلا بعدما ملئت ظلماً وجوراً. والذكرى الثانيه هي ذكرى الإنتصار الكبير الذي حققه لبنان الواحد الموَّحد شعباً وجيشاُ وحكماً ومقاومة على القوة الصهيونية الإسرائيليه الغاشمة المدعومة على كل صعيد من قبل قوى الإستكبار العالمي الذي تقوده أمريكا بعد أن صورها الإعلام العالمي المخدوع والمخادع بأنها قوة لا تقهر. فلقد شاهد العالم بدهشة هزيمتها ذليلة مندحرة أمام القوة المتواضعه للمقاومه التي آمنت بربها ووطنها وعدالة قضيتها..، نعم آمنت بربها الذي بيده وحده أسباب النصر مهما تعاظمت القوة الظالمة وضعفت القوة المظلومه فهو الذي يقول في محكم كتابه المجيد *كم من فئة قليلة غلبت فئةً كثيرة بإذن الله* فعلى المؤمنين بالله وبكتابه أن يطمئنوا إلى إمكانية الإنتصار على قوة إسرائبل الغاشمة ما داموا مسلحين بالإيمان والصبر والثبات تماماً كما إنتصر جد محمد بن عبد الله مولود مثل هذه الأيام من سنة 570 للميلاد، نعم إنتصر شيبة الحمد عبد المطلب إبن هاشم إبن عبد مناف على أبرهة وجيشه من دون قتال وإنما بإرادة الله ومشيئته ليس إلا، حيث أرسل سبحانه من جنوده التي لا تحصى والتي هي منتصرة دوماً طيوراً أبابيل تحمل حجارة من سجيل تخترق أجساد المعتدين أبرهة وأفراد جيشه المتجبرين حتى هلك هو ومن معه وسميَّ عام تلك الواقعة بعام الفيل الذي تمت فيه ولادة خير خلق الله وخاتم رسله محمد (ص) ولقد خلَّدها الله في قرآنه المجيد في سورة مستقلة أسماها سورة الفيل، وإنني لا أرى حدوث هذه الولادة الميمونه في عام الإنتصار ذاك من باب المصادفة وإنما أنظر في ضمير الغيب لأشاهد تقدير الله بيّنا فيها كي يظهر بركة ذلك المولود العظيم على مسيرة الإيمان الإبراهيمي ورسالة التوحيد الإلهي في هذا الوجود. فاحتفالنا المبارك هذا هو إحتفال بذكرى إنتصارين كانت إرادة الله عزَّ وجل سيفهما القاطع وسلاحهما الماضي فعلينا إذن أن نبدد من أنفسنا اليأس من الإنتصار على عدونا بالثقة بإمكانية تحقيقه بمعونة الله ولنلتفت دوماً إلى أنَّ القوة التي لا يتحقق الإنتصار إلا بها في منطق القرآن المجيد هي القائمة على ركيزتين مركزيتين، الركيزة الماديه التي يصرح عنها كتاب الله بقوله *وأعدوا لهم ما إستطعتم من قوة …. ترهبون به عدو الله وعدوكم*، والركيزة المعنويه القائمه على الإرتباط السليم والصحيح والصادق بالله عزَّ وجل والذي يقوم بدوره على أساس التوحيد والوحده التي يأمرنا بها سبحانه بقوله *واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا* فإذا إجتمعت القوة المعنوية هذه مع القوة المادية مهما كانت قليله يتحقق النصر كما في معركة بدر في صدر الإسلام وقد ذكرها القرآن الكريم بقوله مخاطباً المسلمين *ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة* وكما في معارك مقاومتنا الظافره في الجنوب والبقاع الغربي قبل عامين. وأما إذا تجرَّدت القوة المادية عن القوة المعنوية فهي مهزومة مهما تعاظمت كما في معركة حنين التي كانت قوة المسلمين فيها من حيث العدة والعدد تفوق قوة المشركين غير أنهم إنهزموا لأنهم أوكلوا أمر إنتصارهم المرتقب إلى كثرتهم متناسين السبب الأَّول في تحقيق النصر وهو الله عزَّ وجل فانهزموا كما يقول عزَّ شأنه: *لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثمَّ وليتم مدبرين ثمَّ أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين*، وهو ما يشبه في زماننا هذا حالة العرب على كثرتهم في تخاذلهم أمام الإسرائيليين على قلتهم. أما من يمتلك القوة المادية ويستعملها في ظلم البشر سلباً وبطشاً وقتلاً، مستهيناً بأبسط مبادىء الحق والعدل والضمير، ومتمرداً حتى على نظام الفطرة لدى الإنسان السوي كالحكم الصهيوني في أمريكا وإسرائيل وما شابههما من أنظمة الظلم والجور في هذا العالم..، أما هؤلاء فإن سنة الله في إهلاك المتجبرين سوف تطالهم لا محالة إن عاجلاً أو أجلاً *فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا* تماماً كما فعل في أمثالهم الذين سبقوهم بإستعمال قوتهم المادية في إرهاب عباده والإعتداء على الإنسان وحقوقه، وقد أعطانا الله أمثلة عديدة على بطشه بأمثال هؤلاء الطغاة.. كما في قوله تعالى: *ألم تر كيف فعل ربك بعاد ، إرم ذات العماد ، التي لم يخلق مثلها في البلاد ، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ، وفرعون ذي الأوتاد ، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد ، فصب عليهم ربك سوط عذاب ، إن ربك لبالمرصاد*. وقال عز وجل: *أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ، كانوا هم أشد منهم قوة وأثاراً في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم ، وما كان لهم من الله من واق*. فما دمنا محققين لهذه الإرادة الإلهية المادية والمعنوية في واقعنا الوطني والإجتماعي فالنصر سيبقى حليفنا..، ولنكن في مستوى رفيع من الوعي إلى مكائد عدونا الذي يعمل بكل ما بوسعه لتمزيق وحدتنا كلبنانيين وفلسطينيين عرباً ومسلمين. وهو من أجل وصوله إلى هدفه الخبيث هذا يقدم على إثارة ما يحرك العصبيات الفئوية والطائفية بيننا لإضعافنا وإلهائنا عن التفرغ لمقاومته ومن ثمَّ الإنقضاض علينا كما فعل قبل إجتياحه للبنان سنة 1982 وسبق أن فعله بالشعب الفلسطيني المنكوب بعدوانه وما شاهدناه ونشاهده من ممارسات غاية في العدوانية خصوصاً إبَّان إحتلاله الحالي والمستمر فعلاً للضفة الغربية وما رافقه من فضائع يهتز لها العرش ويتحرك لإدانتها كل ذي ضمير حي. إنَّ العدوَّ الإسرائيلي سيفشل مجدداً في ما يبدو أنه يحاول القيام به على ساحتنا اللبنانية من إرباك أمني يؤدي إلى زعزعة الإستقرار الإجتماعي عن طريق القتل والخطف والإغتيالات بواسطة عملائه المزروعين في الساحه، ويظهر أن قتل المناضل الشهيد محمد جهاد جبريل وإغتيال القيادي الطلابي المغدور فوزي عيراني من بدايات هذا المخطط الذي سيفشله بإذن الله يقظة الشعب اللبناني ووعيه لمكائد هذا العدو اللئيم الغادر. إننا – مسلمين وعرباً – إذا أردا أن نكسب تأييد شعوب العالم لحقوقنا المشروعه ونصر قضايانا المحقَّه فما علينا إلا أن نستخدم كافة الوسائل الدعائيَّه والإعلاميَّه الصادقة لتحصين تلك الشعوب عن الوقوع في خدع الصهيونيه وألاعيبها وأكاذيبها التي تطلقها ضدّنا تأييداً للعدو الإسرائيلي وخصوصاً تلك التصريحات التي تصدر من جانب جورج بوش وأركان إدارته دعماً لدولة إسرائيل الغاصبة وقادتها وشعبها..، وتتجنى في نفس الوقت على العرب والمسلمين وخصوصاً الشعب الفلسطيني المغصوبةِ أرضُهُ والمهضومةِ كافةُ حقوقه والمعتدى عليه باستمرار من قبل إسرائيل، علينا أن نستمرّ في ذلك حتى تصبح عمليَّة كشف هذا الزيف الإعلامي الصهيوني ثقافة يومية لشعوب العالم المخدوعة بتلك الأكاذيب. كما علينا أن نستمرَّ إلى جانب ذلك في مقاومتنا لهذا العدو ودعمنا للإنتفاضة دعماً فعالاً لتستمرَّ في إرباك العدو وإنهاكه حتى يتحقق النصر بإنكفائه وهزيمته كما حدث في لبنان قبل سنتين على أيدي مقاوميه المجاهدين الصابرين الصادقين. قال تعالى: *يا أيها الذين آمنوا إصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون*.
سماحة حجة الاسلام الشيخ عبد الامير شمس الدين دام ظله
You must be logged in to post a comment. |
||
|
Copyright © 2010 - All Rights Reserved |
||