|
|
||
أزمة الحضارة في مشروع جديد للحوار
القيت في مؤتمر الحوار الإسلامي المسيحي في ليبيا في 26-2-1976م.
عالمان ثقافيان:
إن الإسلام عالم ثقافي لأتباعه بكل ما لهذه الكلمة من معنى، ويفترض أن المسيحية بالنسبة لأتباعها كذلك-عالم ثقافي، فنحن، إذن، من المسيحية والإسلام أمام عالمين ثقافيين.
إن الإسلام دين يتميز عن أي دين آخر ، بعقيدة تتضمن مفهوماً معيناً للكون والحياة والإنسان، وشريعة تعكس العقيدة في علاقات الإنسان وصيرورة حياته، وأخلاقيات تتجاوز الشريعة إلى مستويات في السلوك أعلى مما تفرض حرفية القانون. وهذا ما نعنيه بقولنا أن الإسلام عالم ثقافي، نعني أنه (( صيغة حياة)).
والإسلام بما هو عالم ثقافي يصوغ شخصيات أتباعه وفقاً لعقيدته وشريعته ومناهج السلوك الأخلاقي فيه. ونقدر أن المسيحية كذلك من حيث تأثيرها في أتباعها( هذا إذا غضضنا النظر عما أنزلته الحضارة المادية من خراب في المحتوى الروحي للإنسان الغربي بوجه عام، المنتمي إلى المسيحية).
ولذا فإن جعل الحوار المنشود ، حواراً بين اللاهوت وعلم الكلام، يعني الطموح إلى تغيير من الداخل في أحد الدينين ليتحد مع الآخر، أو تغيير فيهما معاً، وهذا طموح مستحيل،وسيصاب بالإخفاق حتماً، وهي نتيجة في حجم الكارثة بالنسبة إل الآمال التي نعلقها على الحوار بين المسيحية والإسلام.
فبين الإسلام والمسيحية مواضع إختلاف في العقيدة لا يمكن تجاوزها وليست موضع بحث ولا موضع جدل في الإسلام ، كما أنها ليست موضوعاً للإجتهاد، فإن الإجتهاد الإسلامي إنما هو في حقل الأحكام الشرعية لا في العقائد.
وبين الإسلام والمسيحية مواضع إختلاف في الشريعة لا يمكن تجاوزها، ولا يمكن أن تكون موضوعاً للمناقشة لغاية تعديلها، لأنها من الثوابت في الشريعة. أما ما ليس على هذا المستوى من الثبات في الشريعة من الأحكام والقضايا فهو موضوع للإجتهاد ولكن ليس لأي إجتهاد كان ، وإنما هو موضوع للإجتهاد في داخل الإسلام ، ووفقاً لأصول الإجتهاد المرعية عند الفقهاء منذ أقدم العصور الإسلامية. وما دامت حركة الإجتهاد نشطة بين علماء المسلمين، وفي المراكز الإسلامية الكبرى، فإن المسائل الإجتهادية موضوع إعادة نظر دائمة دون أن تكون ثمة حاجة إلى محرض على الإجتهاد ينشأ من تدخل عناصر غير إسلامية، أو غير إختصاصية في حركة الإجتهاد الفقهي داخل الإسلام.
نحو مشروع جديد للحوار:
أن هذه التأملات تحملنا على أن نستبعد جميع أشكال الحوار التاريخية من دائرة إهتمامنا بقضية الحوار الإسلامي- المسيحي المطروحة الآن ، والتماس شكل آخر غيرها للحوار لم يمارس من قبل بين الدينين يخدم الهدف المنشود الذي يجب أن تتوحد مواقفهما نحوه.
وهذا الشكل الجديد للحوار يقوم بصورة أساسية على أن يبحث قادة الفكر والروح في كلا الدينين عن المساحات المشتركة بينهما في قضايا الإنسان، والمجتمع، والحضارة فإذا إكتشفت هذه المساحات المشتركة يتوجه الدينان معاً نحو العالم في عملية فتح روحي للحضارة الحديثة وإنسانها، لا يستهدف أتباع المسيحية والإسلام فقط، وإنما يشمل الناس جميعاً ،فإن الهدف من الحوار لا يجوز أن يقتصر على المعرفة النظرية فقط، هذه المعرفة التي لا تتجاوز إكتشاف كل واحد من الدينين للدين الآخر، كما لا يجوز أن يقتصر الهدف من الحوار على توجيه نداء وعظي إلى العالم. إن المعرفة النظرية وإكتشاف الآخر هدف مرحلي ووسيلة للإنخراط في عمل حقيقي مشترك على صعيد العالم. إن الهدف من الحوار يجب أن يكون إلتزاماً نضالياً تجاه قضايا الإنسان والحضارة، لتصحيح عملية التقدم البشري، فيقيمها على ساقيها ( المادة والروح) بدل أن تبقى كما هي الآن عرجاء تمشي على ساق واحدة، ويدفع ثمن تعثرها وسقوطها الإنسان نفسه ضياعاً وشقاء وإنحطاط.
وبذلك يكون لكل واحد من الدينين مجالان للعمل. احدهما: مجال عمله في عالمه الخاص به وهو عالم المؤمنين به،هذا يشمل كل الذين يخضعون لتوجيهه الثقافي. وثانيهما: مجال عمل مشترك يتوجه الدينان فيه بعملهما الموحد نحو إنسان الحضارة الذي يكاد أن يفقد إنسانيته، إن دائرة العمل المشترك هي العالم، وهدف العمل فيها هو إعادة الإعتبار إلى الإيمان، ونتيجة ذلك هي إنقاذ الإنسان.
هذا هو المشروع المقترح ليكون موضوعاً للحوار الإسلامي المسيحي.
وهنا نتساءل: هل توجد في المسيحية والإسلام مساحات مشتركة يمكن أن تكون مجالاً لعمل موحد بينهما ينطلق منها، ويتوجهان به نحو العالم؟
نصرانيتان:
من وجهة النظر الإسلامية وجد في التاريخ نصرانيتان.
الأولى: النصرانية القرآنية، وهي التي يعرضها الوحي القرآني من خلال المعالم الكبرى في تاريخها: ولادة عيسى (عليه السلام) الإعجازية، وتكليمه للناس في المهد، والتأكيد على بشريته، وبعثه نبياً رسولاً إلى بني إسرائيل، ومعجزاته، ورفض اليهود له، وكفرهم بما جاء به، وإفترائهم على السيدة مريم ( عليها السلام) بهتاناً عظيماً، وتآمرهم عليه لقتله، ونجاته منهم بطريقة إعجازية. كما يعرض الوحي القرآني بعض الأصول الكبرى في العقيدة النصرانية: التوحيد الخالص دون تثليث، والمعاد، وقضايا النبوة منذ إبراهيم ( عليه السلام)، وتتضمن قضايا النبوة بشارة عيسى ( عليه السلام) بالنبي محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم).
الثانية: النصرانية كما تبدو في مؤسسة الكنيسة . وقد عرض القرآن صوراً من تاريخها كاشفاً عن عداء اليهود لها وأساليبهم في الكيد لها، كما عرض القرآن لبعض عقائدها الأساسية مركزاً على مسألة التثليث.
والنصرانية الأولى ليست موضوعاً لحوار الإسلام معها ، لأن إيمانها جزء من إيمانه، وهو مصدّق لها، ومن ثم فهو يحتويها، بإعتبارها مرحلة سابقة عليه في التاريخ الديني للإنسانية.
والنصرانية الثانية توجه القرآ ن إليها بالنقد، وإعتبرها في الوقت نفسه طرفاً في الحوار وموضوعاً له، وقد بدأ الإسلام نفسه بفتح الحوار مع النصرانية كما تبدو من خلال الكنيسة، وكان الحوار الذي فتحه الإسلام ذا إتجاهين، أشرنا إليهما في موضع سابق من هذا البحث.
وكون الإسلام يعتبر النصرانية طرفاً في الحوار وموضوعاً له، يعني أنه لا يعتبر نفسه نقيضاً كاملاً، ومطلقاً لها في كل مبدأ من مبادئها الكبرى ، وفي كل تفصيل من تفاصيلها الثانوية ، وكما أنه ليس نقيضاً كاملاً، فهو كذلك لا يعتبر أنه مساوٍ لها، فبين نصرانية الكنيسة والإسلام لا يوجد تناقض مطلق، كما لا توجد مساواة مطلقة، يوجد بينهما ما يمكن أن نسميه ((نسبة العموم والخصوص من وجه))، فالإسلام يفترق عن نصرانية الكنيسة في كثير من المسائل الكبرى في العقيدة وفي التشريع، كما يفترق عنها في كثير من المسائل والتفاصيل- وتبقى- إذا تجاوزنا مسائل الإفتراق من الطرفين- مساحات يلتقي فيها الدينان معاً، ويعتبر الإسلام إستيعاب نصرانية الكنيسة للمسائل ( المساحات) المشتركة ذا منشأ يتصل بالوحي الغلهي الذي نزل على عيسى (عليه السلام) والذي تمثّل في نصرانية القرآن .
وإنطلاقاً من هذه الحقيقة المبدئية إعتبر إنه حليف النصرانية وإنها حليفة له. ونتيجة هذا الحلف هي أن الإسلام يقف في معسكر واحد مع ((أهل الكتاب)) في مقابل دعوات الشرك والمادية.
وإذن فثمة مساحات مشتركة بين الدينين تنتمي إلى الوحي الإلهي، وعليهما أن ينطلقا في الحوار من هذا القدر المشترك بينهما بحيث يؤدي بهما الحوار إلى تكوين نظرة موحدة إلى قضية الإنسان، والمجتمع، والحضارة، في هذا العصر يترجمانها إلى عمل يتوجهان به نحو العالم لتصحيح مسار الحضارة. ويمكن إجمال الأمور المشتركة بين الدينين : فيما يلي :
المساحات المشتركة:
1- الإيمان بالله الخالق لكل شي، ولذا فالإنسان مخلوق لله .
2- الإيمان باليوم الآخر، وإن الله تعالى يبعث الناس ويحاسبهم ، ويعاملهم بعدله ورحمته.
3- الإيمان بأن الله تعالى لم يخلق الناس سدى، وإنما أرشده إلى الهدى بواسطة الدين الذي أرسل به الانبياء والرسل، وأن هؤلاء الأنبياء قد بلغوا رسالتهم إلى الإنسان.
4- الإيمان بأن للإنسان بعداً روحياً ، وهذا ما يميزه ويجعله فريداً في الكون، ولذلك فهو لا يتكامل إلا في نطاق نظام للعلاقات في المجنمع يتيح لهذا البعد أن ينمو ويثري.
5- الإيمان بأن العبادة حاجة إنسانية أساسية، وأن حرمان الإنسان من ممارسة العبادة بأي وسيلة للإرغام والحرمان مادة أو معنوية ليس عدواناً على حريته فقط، وأنما هو عدوان على وجوده، وحرمان له من فرصة التكامل الوجودي.
6- الإيمان بكرامة الإنسان.
7- الإيمان بأخلاق إنسانية فطرية، ولذا فهي ليست آنية ومتغيّرة.والإيمان بأن الإلتزام الخلقي ليس مسألة شخصية وفردية، وأنما هو مسألة تتصل بكون الإنسان في هذا العالم:فرداً، وعضواً في أسرة، وعضواً في مجتمع سياسي، ولأنها كذلك فهي ضرورة في العلاقات الدولية.
8- الإيمان بأن الاسرة المتلاحمة شرط ضروري لبناء مجتمع سليم، والإيمان بأن العفة الجنسية شرط ضروري لبناء أسرة متلاحمة نظيفة، كما أنها شرط ضروري لسلامة المجتمع.
إن هذه الأصول الكبرى في الإيمان ومتفرعاتها الهامة مشتركة بين المسيحية والإسلام، وهي تشمل الوضعية الروحية والأخلاقية للإنسان والمجتمع والحضارة.
وهذه الاصول هي التي ينبغي أن تكون موضوع الحوار ومنطلقه. فإن الحوار المنشود، في هذا المشروع الجديد للحوار، سيكون على مرحلتين أو يكون ذا شقين.
المرحلة الأولى: تكون هذه الاصول فيها موضوع الحوار وينتهي الحوار،في هذه المرحلة، أولاً- إلى تأكيد ان الإيمان يهذه الأصول جزء لا يتجزأ من الإيمان الشامل في كل واحد من الدينين على حدة، وان إشتراك المسلمين والمسيحيين في الإيمان بهذه الأصول جاء من إتفاق الإسلام والمسيحية عليها. وثانياً- إلى شرح التفصيلات الثانوية والفرعية لهذه الاصول الكبرى مع الحرص الكامل على الإبتعاد عن دائرة (( حوار اللاهوت وعلم الكلام)).
المرحلة الثانية: تكون فيها هذه الأصول المشتركة منطلق الحوار، وذلك بأن يواجه قادة الفكر والروح في المسيحية والإسلام الوضعية الإنسانية السائدة في العالم المعاصر على ضوء هذه الأصول الكبرى للإيمان.
إن هذه المواجهة بين الوضعية الإنسانية السائدة، وبين الأصول الكبرى للإيمان ستثير أسئلة تتناول معظم المواقف والإتجاهات الأساسية للحضارة الحديثة من حيث طريقة تعاملها مع الطبيعة والذهنية التي تحكم هذه الطريقة وتوجهها، ومن حيث علاقتها بالإنسان، وأوضاعه في خاصة نفسه، وفي علاقاته بالآخرين داخل نطاق الأسرة، أو المجتمع في أبعاده السياسية، والثقافية، والإقتصادية، وغيرها.
هذه الأسئلة هي التي ينبغي للحوار في مرحلته الثانية أن يكتشف أجوبة لها، تتفق مع معطيات الأصول الكبرى المشتركة في إيمان المسيحية، وإيمان الإسلام. إن هذه الأجوبة النابعة من تلك الاصول الإيمانية، تكوّن مشروع صيغة جديدة للحضارة، تلتزم قيادات الفكر والروح في الغسلام والمسيحية بالعمل في سبيل تحويلها إلى واقع حي.
وهذه نماذج من الأسئلة، التي تثيرها وتبعث على طرحها المواجهة بين الأصول الإيمانية المشتركة، وبين الوضعية الإنسانية السائدة في العالم المعاصر:
ما الموقف الذي يمليه الإيمان بالنسبة إلى علاقة الإنسان بالطبيعة؟ .
ما الموقف الذي يمليه الإيمان بالنسبة إلى الروح التي توجه البحث العلمي؟.
ما الموقف الذي يمليه الإيمان بالنسبة إلى اساليب التربية ( تنمية روحية الإنسان إلى جانب الإهتمام بالجسد والعقل والخبرة التقنية)؟.
ما الموقف الذي يمليه الإيمان بالنسبة إلى حرية الإعلام التجاري والدعائي؟
ما الموقف الذي يمليه الإيمان من قضايا الإستعمار القديم والجديد ( قضية فلسطين، الإستعمار الإستيطاني).
ما الموقف الذي يمليه الإيمان من قضايا العنصرية؟ ( العنصرية الصهيونية).
ما الموقف الذي يمليه الإيمان من قضايا: الحرية، الفوضى، القهر، في حقول السياسة، والثقافة وغيرهما؟.
ما الموقف الذي يمليه الإيمان من تجارة اللهو بجميع أشكالها ومظاهرها؟.
ما الموقف الذي يمليه الإيمان من المال( وظيفته الإجتماعية، إستخدامه الرأسمالي، التعامل الربوي)؟.
ما الموقف الذي يمليه الإيمان من قضايا التخلّف في العالم الثالث؟.
ما الموقف الذي يمليه الإيمان من الأبحاث التي تجري الآن في المختبرات ومراكز الأبحاث لتحضير أسلحة هائلة تمكن حفنة من السياسيين في هذه الدولة، أو تلك من إبادة شعب بكامله، أو شلّ قدرته بشكل خطير خلال ساعات أو أيام.
هذه نماذج من الأسئلة التي تثيرها المواجهة بين الاصول الإيمانية وبين الحضارة المادية، وهي وأمثالها موضوع للحوار الذي ينطلق من الاصول الإيمانية المشتركة، وتكون الأجوبة التي سينتهي إليها الحوار موضوع العمل والنضال من أجل حضارة أكثر إنسانية وتوازنأً، ومن اجل إنسان اكثر إنسجاماًُ في وجوده وحركته مع إرادة الله.
إن هذا المشروع الجديد للحوار يجعل من الحوار ولوداً خلاقاً، وبدل أن يكون الدين موضوع الحوار يكون الدين، في نطاق الأصول الإيمانية المشتركة، منطلق الحوار نحو فتح روحي للحضارة، وبعث جديد للإنسان.
إن مؤتمراً للحوار الإسلامي المسيحي يضع نصب عينيه هذا الهدف السامي سيكون ضمير الإنسانية وقلبها.
You must be logged in to post a comment. |
||
|
Copyright © 2010 - All Rights Reserved |
||